أبي حيان الأندلسي
40
تفسير البحر المحيط
وإذا ذكرت * ( وَحْدَهُ ) * بعد فاعل ومفعول نحو ضربت زيداً فمذهب سيبويه أنه حال من الفاعل ، أي موحداً له بالضرب ، ومذهب المبرد أنه يجوز أن يكون حالاً من المفعول فعلى مذهب سيبويه يكون التقدير * ( وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ ) * موحداً له بالذكر وعلى مذهب أبي العباس يجوز أن يكون التقدير موحداً بالذكر . و * ( نُفُورًا ) * حال جمع نافر كقاعد وقعود ، أو مصدر على غير المصدر لأن معنى * ( وَلَّوْاْ ) * نفروا ، والظاهر عود الضمير في * ( وَلَّوْاْ ) * على الكفار المتقدم ذكرهم . وقالت فرقة : هو ضمير الشياطين لأنهم يفرون من القرآن دل على ذلك المعنى وإن لم يجر لهم ذكر . وقال أبو الحوراء أوس بن عبد الله : ليس شيء أطرد للشيطان من القلب من لا إله إلاّ الله ثم تلا * ( وَإِذَا ذَكَرْتَ ) * الآية . وقال علي بن الحسين : هو البسملة * ( نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ ) * أي بالاستخفاف الذي يستمعون به والهزء بك واللغو ، كان إذا قرأ صلى الله عليه وسلم ) قام رجلان من بني عبد الله عن يمينه ورجلان منهم عن يساره ، فيصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار . وبما متعلق بأعلم ، وما كان في معنى العلم والجهل وإن كان متعدياً لمفعول بنفسه فإنه إذا كان في باب أفعل في التعجب ، وفي أفعل التفضيل تعدى بالباء تقول : ما أعلم زيداً بكذا وما أجهله بكذا ، وهو أعلم بكذا وأجهل بكذا بخلاف سائر الأفعال المتعدية لمفعول بنفسه ، فإنه يتعدى في أفعل في التعجب وأفعل التفضيل باللام ، تقول : ما أضرب زيداً لعمرو وزيد أضرب لعمرو من بكر . وبه قال الزمخشري في موضع الحال كما تقول : يستمعون بالهزء أي هازئين * ( وَإِذَا * يَسْتَمِعُونَ ) * نصب بأعلم أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون وبما به يتناجون ، إذ هم ذوو نجوى * ( إِذْ يَقُولُ ) * بدل من * ( إِذْ هُمْ ) * انتهى . وقال الحوفي : لم يقل يستمعونه ولا يستمعونك لما كان الغرض ليس الإخبار عن الاستماع فقط ، وكان مضمناً أن الاستماع كان على طريق الهزء بأن يقولوا : مجنون أو مسحور ، جاء الاستماع بالباء وإلى ليعلم أن الاستماع ليس المراد به تفهم المسموع دون هذا المقصد * ( إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى ) * فإذا الأولى تتعلق بيستمعون به وكذا * ( وَإِذْ هُمْ نَجْوَى ) * لأن المعنى نحن أعلم بالذي يستمعون به إليك وإلى قراءتك وكلامك إنما يستمعون لسقطك وتتبع عيبك والتماس ما يطعنون به عليك ، يعني في زعمهم ولهذا ذكر تعديته بالباء وإلى انتهى . وقال أبو البقاء : يستمعون به . قيل : الباء بمعنى اللام ، لا وإذ ظرف ليستمعون الأولى ، والنجوى مصدر ، ويجوز أن يكون جمع نجى كقتيل وقتلى ، وإذ بدل من * ( إِذْ ) * الأولى . وقيل : التقدير إذ كر إذ تقول . وقال ابن عطية : الضمير في به عائد على ما هو بمعنى الذي ، والمراد الاستخفاف والإ عراض فكأنه قال : نحن أعلم بالاستخفاف والاستهزاء الذي يستمعون به أي هو ملازمهم ، ففضح الله بهذه الآية سرهم والعامل في * ( إِذْ ) * الأولى وفي المعطوف * ( يَسْتَمِعُونَ ) * الأولى انتهى . تناجوا فقال النضر : ما أفهم ما تقول ، وقال أبو سفيان : أرى بعضه حقاً ، وقال أبو جهل : مجنون ، وقال أبو لهب : كاهن ، وقال حويطب : شاعر ، وقال بعضهم : أساطير الأولين ، وبعضهم إنما يعلمه بشر ، وروي أن تناجيهم كان عند عتبة دعا أشراف قريش إلى طعام فدخل عليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم ) وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى الله . فتناجوا يقولون ساحر مجنون ، والظاهر أن * ( مَّسْحُورًا ) * من السحر أي خبل عقله السحر . وقال مجاهد :